الاثنين، 23 مايو 2011

السلاح الذَّرِّى : نمر من ورق

بسم الله الرحمن الرحيم
القوات المسلحة عبارة عن أداة لبلوغ غايات سياسية . ولقد شهدت الأحداث التي تجري علي الساحة الدولية منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وفشل الحملة علي  العراق وتصاعد الهجمات المضادة لطالبان في أفغانستان وباكستان خصوصا بعد قتل اسامة بن لادن . لدرجة أن إطلاق صواريخ علي قاعدة قاندهار تسبب في إلغاء زيارة ثلاثة من المسؤليين البريطانيين إلي هذه القاعدة منذ شهور كل هذا يشهد علي عجز الولايات المتحدة عن حماية مصالحها بل وحياة مواطنيها في مواجهة تهديدات من مستويات متواضعة وكانت النيجة أن أخذ بعض الساسة يرددون عبارات مثل " أفول عصر القوة " و " تدني فائدة الحرب " و " القوة العسكرية تلفظ أنفاسها الأخيرة ". ومن هذا المنطق سرت تكهنات تقول بأنه قد لا يكون هناك مستقبل للحرب في حد ذاتها لتحل محلها المنافسة الإقتصادية بين " التكتلات التجارية " الكبرى وستتوقف الأبحاث الرامية إلي إنتاج أسلحة أقوي ليس بسبب العجز ولكن لأنها لن تسفر إلا عن " إرتداد الحجارة " .وليس هناك شك أن يد الإنسان أنتجت أسلحة نووية تفوق في قدراتها كل المعدات التي إستخدمها الإنسان في حروبه منذ بداية التاريخ . ولو قيست المكاسب السياسية التي قد تترتب أو لا تترتب علي إمتلاك الأسلحة الذرية لأدرك المرء من فوره سبب إحجام العديد من الدول عن الإندفاع سعيا إلي حيازتها. فبرنامج إنتاج أسلحة نووية يشكل عبئاً ضخماً على الموارد التقنية والمالية . ولنضرب بذلك مثلاً الصين والهند وباكستان والولايات المتحدة نفسها والإتحاد السوفيتى السابق فليس بمقدور أى من هذه الدول أن تترجم إمتلاكها للسلاح النووى إلى مكسب سياسى ملموس فالصين لم تتمكن من إستعادة إقليم فرموزا المنشق كما أن قنبلة الهند لم توفر لها أى سند ملموس فى حل مشكلة الإنفصاليين التاميل أو التمرد الإسلامى فى كشمير. و الإتحاد السوفيتى القنبلة النووية لم تَحُلْ دون تفككه وإنهياره والولايات المتحدة لم تساعدها القنبلة النووية على الإحتفاظ بماء وجهها فى العراق وأفغانستان وها هى تسير فى كلا البلدين من فشل إلى فشل ركلا بالأقدام أو صفعاً على القفا . وإنظروا إلى الجنود(البريطانيين والأمريكيين ) الذين شاركوا فى حرب تحرير الكويت عام 1990 وما ظهر عليهم من أمراض حار الأطباء فى معرفة أسبابها وإن كانوا أرجعوا السبب إلى إستخدام اليورانيوم المخصب فى هذه الحرب من جانب قوات التحالف  لذا لم يعد أحد يبالى بهذا السلاح بأى شكل من الأشكال . حتى إسرائيل رغم إمتلاكها لسلاح نووى لم تسلم من صواريخ حماس العبثية من الجنوب أو صواريخ حزب الله الإيرانية من الشمال . وهكذا يتضاءل عاماًً بعد عام إحتمالات إستخدام هذه الأسلحة التى لم توفر لمالكيها أى ميراث كبير حتى فى تعاملهم مع بلدان لا تمتلك هذه الأسلحة وكم تعرض نفوذ هذه الدول النووية للتقلبات بشكل ملموس رغم ما تملكه من ترسانات نووية . ويرجع السبب فى ضعف الواقع السياسى  للأسلحة النووية إلى الحقائق المعروفة عن تبعات الحرب النووية وما تتسم به من البشاعة والرعب والدمار الكاسح والأكيد وتحسباً لأخطارها السرطانية والتغيرات الجينية . وما من أحد حتى اليوم منذ عام 1945 نجح فى تحديد أسلوب لشن حرب نووية دون أن تسفر عن إنتحار شامل . وبما أنه ليست هناك فرصة للدفاع فى مواجهة هذه الأسلحة لذلك ليس هناك مجال لإستخدامها فى شن حرب بالمعنى المفهوم للحرب . ورغم التوتر الشديد الذى يسود فى فترات مختلفة بين القوتين العظميين ووقوف كل منهما ككلبين يرقب كل منهما الآخر فى كل تصرفاته فإن إختبار القوة فى النهاية يتوارى لينتهى الأمر بالطرفين إلى التسليم دون أن يحركا ساكناً . ويمكن القول أن هناك مكانين فى العالم يصلحا أن يكونا مسرحين لحرب تقليدية :- المسرح الأول هو الشرق الأوسط بين مصر وسوريا ودول أخرى فى المنطقة فى جانب وإسرائيل فى الجانب المقابل . والمسرح الثانى بين الهند وباكستان . وفى الواقع لما كانت هذه الدول غير قادرة على تصنيع كل إحتياجاتها من الأسلحة والمعدات العسكرية فإن هذه الدول تدور فى فلك القوتين العظميين . وعلى ذلك فإن هذه الدول فى الواقع تمارس حرب القوتين العظميين بالإنابة وشكلت هذه الدول حقولاً لتجربة الأسلحة الجديدة وإختبار المذاهب القتالية المختلفة . وبينما كانت رحى الحرب تدور بين إسرائيل وجيرانها كانت القوتان العظميان تقفان على الخطوط الجانبية ترقبان عن كثب مجرى الأمور لوضع حد للحرب بمجرد أن تشكل الأحداث بادرة تهديد لمصالحهما الخاصة . ولو تأملنا الموقف فى العالم النووى اليوم نجد أن المخططين العسكريين يواجهون خيارين كليهما مر :- فلو كانت هناك فرصة لأن تبقى القوات التقليدية على قيد الحياة فى ظل حرب نووية فسوف تضطر إلى الإنتشار والإختباء تاركة وراءها معداتها الثقيلة . أى أنها ستفقد قدرتها على خوض حرب تقليدية فيما بعد وبذلك تكون الأسلحة النووية قد شكلت تهديداً للقوات التقليدية وخاصاً القوات البرية . والخيار الثانى إذا كانت الحرب واقعة لا محالة فما من سبيل يدرأ خطر فناء العالم إلا أن تقتصر هذه الحرب على القوات التقليدية وتوحيد كل الطاقات فى إتجاه الحرب التقليدية وسُحقاً للأسلحة النووية . ومن هنا قال ماوتسي تونج واصفاً الأسلحة النووية بأنها " نمر من ورق " . ومن هنا كانت الإستعدادات للحرب التقليدية فى كل دول العالم تأخذ مجراها كما لو لم يكن هناك أى تهديد للتصعيد النووى.
محمد عبدالغنى محاسب وضابط سابق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق