صناديق النذور بالمساجد....بقلم محمد عبدالغنى محاسب وضابط سابق
Muser57.blogspot.com
لى صديق يعمل فى أحد الأجهزة الحساسة بالدولة وقد رشحته جهة العمل لحضور لجنة جرد صناديق النذور بوزارة الأوقاف وقد حكى لى حقيقة ما يدور فى هذه اللجان وترك لى حرية كتابة هذه الحقيقة بأسلوب قصصى محبوك بحيث لا يقع تحت طائلة القانون أو يلاحقه أحد قضائيا بتهمة الإسائة إلى جهة عمله فكتبت ما يلى :-
قابلته فى الطائرة الكونكورد التى أقلتنا من واشنطن للقاهرة ثم تصادقنا وتزاورنا كأسرة واحدة . ودخل على يوما محطما ممزقا وبعد أن صافحته وصافحنى وقلت له أهلا وسهلا وسألته فزعا ماذا جرى ؟ قال : فقدت ثقتى فى كل إنسان فى الحياة . سألته هل ذهب مالك؟ قال مالى كما هو. قلت هل ضاع منصبك؟ قال : إنى باق فى منصبى سألته هل فقدت ولدك ؟ قال: بل إن ولدى بخير سألته ماذا حدث؟ هل إسوقفك أحد أعضاء منظمة الالوية الحمراء فى إطاليا ؟ أو إعترض طريقك أحد عصابات القتل والاحتيال فى شيكاغو ؟ قال:كان أرحم على الاقل دول مايعرفوش ربنا . فقلت ضاحكا هل لطش محفظتك لص فى أتوبيسات هيئة النقل العام ؟ قال : بعد الترمواى الخشب بتاع زمان لا أركب أوتوبيسات هيئة النقل العام . ثم أردف قائلا كنت أضع ثقتى فى الركع السجود من يضعون على رؤوسهم العمائم البيضاء ثم تلفت حوله خشية أن يصل الى مسامع زوجتى شىء مما يعتمل فى صدره فهو يعلم أن أباها أحد مشايخ الأزهر الكبار . ففهمت مغزى نظراته وجرجرته من يده إلى أقرب مقهى ليبوح لى بمكنون صدره وبعد أن رحب بنا المتردوتيل هممت ان أطلب إتنين شاى فإذا به يطلب حجرين معسل فقلت له هل رجعت الى خرطوم الشيطان تانى ؟ قال أعمل إيه ؟ الله لا يبارك لهم فقلت من هؤلاء خابوا وخسروا فقال بعد أن خفض نبرة صوته المشايخ أصحاب العمائم البيضاء فقد كلفتنى جهة سيادية بحضور لجنة فتح وجرد صناديق النذور فى مديرية الأوقاف بدولة كيكو كوكو الشقيقة وما أن دخلت يا محترم حتى صعقت مما رأيت ويا هول ما رأيت فقلت خير!!! قال خير مين أين؟ دى سرقة نهب لصوص صناديق النذور وجدتهم وقد أفرغوا الصناديق على طرابيزة كبيرة وبدءوا يملأون جيوبهم من خيرات هذه الصناديق نقود من كل الفئات ومشغولات ذهبية وسلاسل وحلقان وخواتم ذهب وبعد أن إمتلأت جيوبهم لم يقنعوا بل بدءوا يضعون تحت عمائمهم لدرجة أن السلاسل الذهبية كانت تتدلى من تحت العمائم كأنها تُخرج ألسنتها سخرية منهم . فأغلقتُ الباب عليهم بالمفتاح وقلت لهم كل واحد أخد حاجة يحطها تانى على الطرابيزة وإلا أبلغت عنكم الشرطة والنيابة العامة فقالوا ليه يا أستاذ تعال خد نصيبك من البركة بركة مولانا فقلت لهم الله لا يبارك لكوا كل واحد خد حاجة يحطها على الطرابيزة فقالوا زميلك إللى قبلك عارف النظام ده كل واحد بياخد نصيبه من البركة أولا والباقى يتم إثباته بالمحضر... والدفاتر فى إيدينا والصناديق بتاعتنا والمية ما تعديش ع العطشان يا أستاذ.... فقلت هذا نهب وسرقة يا لصوص . فأخرجوا من جيوبهم وما تحت عمائمهم صاغرين مبرطمين ومبلمين وقمتُ بإثبات كل ما على الطرابيزة فى محضر الجرد ووقّع ومضى الجميع على المحضر وهم ينفجرون غيظا . ماذا تفعل لو كنت مكانى ؟ فقلت والله هذه علامات الساعة رجال الدين هم ملح البلد فمن يصلح الملح إذا الملح فسد . ثم تمالكت أعصابى لأننى كنت قد وضعت مبلغ كبير فى أحد هذه الصناديق منذعدَّة أيام . ثم ودعته بما يليق به من الاحترام والاجلال نادما على المبلغ الكبير الذى ضاع هباءا. ثم نفض الديك جناحيه وصاح فأمسكت شهرزاد عن الكلام المباح وقالت وهى تتثاءب ....مولاى.. يا خبر أبيض لقد إستيقظت من النوم على صوت زوجتى وهى تقول لى : عيب يا راجل قوم إتغطى..
تعليقات
ردحذفا/محمد تحياتى لسيادتكم :-
ليس سرا ما يُقال عن فضائح لجان جرد صناديق النذور وليس سرا أيضا أن القُراء يعلمون أن هذه الدولة التى تقصدها بالإسم المُستعار (كيكوكوكو) هى مصر. والكشف عن هؤلاء اللصوص ليس صعبا وأى مسؤول أو جهة رقابية فى هذا البلد تريد حقا أن تطارد قناصى صناديق النذور لن تعجز عن ذلك ولن تحتاج إلى عباقرة فى البحث والمطاردة والقنص على طريقة " جيمس بوند ".
ليس مطلوبا من هذا المسؤول أو الجهة الرقابية إلا أن تراجع أسماء أعضاء جميع لجان جرد صناديق النذور منذ عشرات السنين مراجعة سريعة ثم يُتبع هذه المراجعة السريعة بمراجعة أخرى أقل تسرعا وأكثر تدقيقا لتحديد معالم الوسط الإجتماعى والإقتصادى الذى ينتمى إليه أعضاء لجان الجرد الذين ذهبوا والذين ما زالوا فى الخدمة يعملون وينهبون . ومن المؤكد أن هذه المراجعة الدقيقة ستكشف العجب العجاب . ستكشف الموظف درجة خامسة أو حتى سابعة الذى ترك شقته المتواضعة أو الآيلة للسقوط والتى كان يخشى أن يقيم فيها الصلاة فتخر ساجدة كما قال شاعر النيل حافظ إبراهيم فى قصيدة يتندر فيها على شقته التى كان يسكن فيها ويسخر من حيطانها المائلة فقال على ما أذكر:
وأخشى بها أن أقيم الصلاة
فتسجد حيطانها الراكعة
نعود إلى الموظف إياه البسيط الذى ترك شقته فى منطقة عشوائية بأحد أحياء القاهرة ليقطن فيلا تطل عل النيل وتمتلىء بكل ما ثقل وزنه وثقلت قيمته ، أو إمتلك شقة فخمة فى جاردن سيتى أو مصر الجديدة وأعاد تأثيثها بأثاث من طراز لويس الرابع عشر . ولا نملك أمام هذا كله سوى الحسرة على ما آلت إليه الضمائر المطاطة داخل وخارج مؤسساتنا الدينية . وفى إعتقادى أن الشعب ليس بالسذاجة التى يتصورها البعض فالكثير من الناس بدأ يتنبه لهذا الوضع ولا يضع نقوده وأمواله فى تلك الصناديق وإنما يضعها فى يد المحتاجين واليتامى والذين لا يسألون الناس إلحافا مباشرة ودون وسائط .
إن هذه الصورة القاتمة تعيد إلى أذهاننا صورة أعضاء هيئة تصفية وتقييم القصور الملكية المُصادرة فى بداية ثورة 23يوليو1952 . وقد تحول أعضاء هذه الهيئة من أصحاب الملاليم إلى أصحاب الملايين . ومنهم من كان موظفاً صغيراً لا يملك سوى مرتبه عندما أُختير للعمل فى هذه الهيئة وبعد ذلك بقليل إمتلأ جيبه وإزدحمت شقته بالتحف وتزينت زوجته وبناته باللؤلؤ و عرف الماس والذهب طريقه إلى أصابعهم ورقابهم . وبدأت آثار النعمة المحرمة تظهر على أعضاء هذه اللجان بشكل لا يمكن إنكاره أو إخفاؤه فالشقة المتواضعة التى كان يسكنها هذا الموظف أصبحت فيلا فاخرة والأثاث البسيط أصبح أثاثاً فاخراً والملاليم فى الجيوب أصبحت ملايين فى البنوك الخارجية . وهناك قصص أخرى أكثر إثارة وليس لى شرف التوصل إليها أو الكشف عنها وكل ما فعلته هو أننى قرأتها فى بعض الصحف العربية فى سبعينات القرن الماضى . وفى2/8/1975 نشرت صحيفة أخبار اليوم أن مجوهرات الأسرة المالكة جُمعت فى 27 صندوقاً كبيرا سعة الصندوق متر فى متر مكعب وتضم 11247 قطعة نادرةً ولكن هذا العدد لم يمثل إلا ربع الكمية التى صُودرت وكشفت تصرفات القراصنة فضائح أعضاء لجان جرد القصور الملكية بعد أن تناقلت الصحف الأوروبية نوعيات المجوهرات الملكية التى لم تسجلها لجان الجرد ومنها على سبيل المثال:-
1- تاج الملكة فريدة ويضم 1056 حجراً كريماً.
2- ماسة نجمة الشرق وتزن286 جراماً .
3- نجمة ماسية نادرة قيمتها مليون دولار وكان قد إشتراها الملك فاروق قبل الثورة بثلاثة شهور فقط .
4- طاقم تواليت مارى أنطوانيت .
5- ساعة نابليون بونابرت التى أهداها للخديوى إسماعيل .
6- مجموعة مجوهرات الملكة ناريمان وتضم عقود وآساور وزوج حلق وخاتم وبروش من الماس والياقوت الأحمر .
7- صينية الإمبراطورة أوجينى وتقدر قيمتها من عشرة إلى خمسة عشر مليون دولار.
8- عصا المارشالية الألمانية التى أهداها هتلر للملك فاروق وتزن 6 كيلو جرام من الذهب الخالص وغيرها من المجوهرات والقطع النادرة التى ظهرت فى أسواق أوروبا وعرضها القراصنة لتباع بأرخص الأسعار رغم قيمتها التى لا تقدر بثمن بينما عاش أصحابها فى حسرة وعذاب الضمير وعاش الشعب المصرى لحظات قاسية وهو يسمع ويقرأ هذه الأخبار.
لواء متقاعد /فهمى الحسينى