بسم الله الرحمن الرحيم
قمة العالم مع تناول شطائر الهامبرجر
بقلم :- محمد عبدالغنى محاسب وضابط سا بق
نحن الآن في عام 1953 الذي شهد بداية إتجاه جديد حول مجريات الأحداث بالعالم . فقد إتجهت البلاد المتحررة والمستقلة حديثا من ربقة الإستعمار الأوروبي نحو تفضيل الصناعة علي الزراعة بما ترتب علي ذلك من نقص المعروض من السلع الغذائية . وكذا التزايد السريع في النمو السكاني نتيجة التقدم في الطب ووسائل العلاج والوقاية . وفي مجال السياسة : تقاعد ستالين ثم ما لبث أن مات وخلفه مالينكوف وكان رجلا حكيما ورأي أنه من الحكمة أن يطبع مجيئه إلي السلطة بطابع جديد . فقد كان هناك خطران يهددان الإتحاد السوفيتي أولهما القحط المتزايد في روسيا وثانيهما الخوف من أن تصبح الصين قوة تطاول روسيا وتتحداها في هيمنتها علي العالم الشيوعي . وفي سبيل مواجهة الخطر الأول كان من الضروري زيادة الإنتاج الروسي من السلع الغذائية وهو ما لا يأتي إلا علي حساب التسليح . ولمواجهة الخطر الثاني كان من الضروري تقليل إحتمالات حرب عالمية ثالثة وهو ما يستلزم أيضا تخفيف سباق التسليح .
وفي نصف الكرة الأرضية الغربي كان الأمريكيون يسيطر عليهم نوعان من الخوف أولهما الخوف من الشيوعية وثانيهما الخوف من ضريبة الدخل . وإكتشف مكارثي ( عضو الكونجرس الأمريكي ) طريقة للتوفيق بين الخوفين فقال بأن العدو الحقيقي هو الشيوعية القابعة بين صفوفنا وأن من الأيسر بكثير أن نقاتل الشيوعية بيننا بدلا من أن نقاتل الإتحاد السوفيتي وقال باننا إذا طهرنا البلاد من العناصر غير المخلصة فسوف نعيش في أمان . وقد نجح مكارثي ـــ عن طريق تولي رئاسة المخابرات الفيدرالية مع الإستعانة ببعض الأعوان من الشيوعيين السابقين ـــ في توسيع نطاق الفزع من الخيانة الداخلية إلي حد أن كل عضو بارز في الحزب الديمقراطي قد أصبح يظن أنه خائن . وفي ظل هذه السياسة أمكن توفير مبالغ طائلة كان يتم إنفاقها في عهد ترومان في مساعدة الدول الأجنبية لمقاومة المد الشيوعي . ورأي أنه لاجدوي من إنفاق المال علي هذه الدول . وترتب علي هذه السياسة نتيجتان تتمثل أولاهما في تقليل أسباب الصراع الخارجي إلي قدر كبير مع روسيا وجعل العلاقات معها أقل تزعزعا . وثانيهما أنه أصبحت قبضة مكارثي تتزايد إحكاما لدرجة أنه بات واضحا لكل أمريكي أنه لا يمكن أن ينجو بنفسه إذا ما عارض مكارثي . و في عام 1956 فاز مكارثي فى إنتخابات الرياسة بأغلبية تتجاوز بكثير أغلبية روزفيلت منذ 20 عاما سابقه وهذا النجاح الساحق مكنه من عقد حلف ( مكارثي _ مالينكوف ) والذي تم فيه تقسيم العالم بين القوتين الكبار إلي مناطق نفوذ وبمقتضي ذلك كانت آسيا والأجزاء الأوروبية الواقعة شرق خط التقسيم تدخل ضمن النفوذ الروسي في حين تدخل أفريقيا وأستراليا والأجزاء الأوروبية غرب خط التقسيم ضمن النفوذ الأمريكي . ولم يكن هناك تبادل تجاري أو أي نوع من التعامل بين المجموعتين بإستثناء بعض العقود وتم تخفيض حجم الصناعة خارج كل من الإتحاد السوفيتي والولايات المتحدة إلي الحد الأدني . وأمكن بهذا الحلف تجنب خطر الحرب العالمية . وقد شهدت مفاوضات إنشاء الحلف بعض الصعوبات وكانت اليابان أحد هذه الصعوبات ذلك لأن أمريكا كانت قد أعادت تسليح اليابان بغرض أن تصبح حليفة لها ضد روسيا . ولما كانت كلا من روسيا وأمريكا قد تقاسمتا السيطرة على العالم فإن وجود قوة قوية ثالثة كان أمرا لا يمكن التساهل فية . ولذلك أُجبرت اليابان على نزع أسلحتها وقد وُضعت جزيرة هوكايدو ضمن القسم الروسى ووُضعت بقية أجزاء اليابان ضمن قسم الولايات المتحدة . وتم الإتفاق على حظر الدعاية المعادية لأمريكا فى روسيا والدعاية المضادة لروسيا فى أمريكا ولم يكن من المسموح به لأى شخص فى روسيا أن يحاول تمحيص تلك الحقيقة التاريخية التى تقول بأن بطرس الأكبر كان أمريكيا ولم يكن من المصرح به لأى شخص فى أمريكا بأن يشك فى تلك الحقيقة التاريخية التى تقول بأن كولومبس كان روسيا ولم يكن لأى شخص فى روسيا أن يتعرض لمشكلة الملونين فى الولايات المتحدة ولا لأى شخص فى أمريكا أن يتعرض لمشكلة العمل بالسخرة فى المعسكرات الروسية . وكان على كل منهما أن يمتدح إنجازات الآخر وأن يشيد بتلك الفوائد التى يخبئها المستقبل لهذا التحالف الأبدى بينهما . وكان هناك بطبيعة الحال أناس فى كلا الجانبين يتصورون أن الجانب الآخر هو الذى فاز بأفضل ما فى الصفقة وبهذا عاد الإستعمار مرة أخرى .
وفى هذه الأيام شهدت العلاقات تحسنا بين البلدين و يعيد التاريخ سيرته الأولى بتعدد اللقاءات بين الزعيمين الأمريكى والروسى أوباما ومدفيديف وكان آخرها فى جنبات مطعم "رايزهيل بيرجرز " بضاحية آرلنجتون من وادى السيليكون فى كاليفورنيا (غرب ) إلى وادى السيليكون الروسى فى ضاحية " سكولكونو " قرب موسكو . لقاءات "أوباما- مدفيديف " عملت على تعزيز جهود نزع الأسلحة وتوقيع الزعيمان على معاهدة خفض الأسلحة النووية فى يوم الخميس 8 إبريل 2010 فى العاصمة التشيكية "براغ " وحقق الزعيمان نتائج ملموسة فى إطار تعزيز العلاقات الإقتصادية وتنشيط الحوار بين البلدين وقال مدفيديف " إن العمل الذى قام به أوباما جعل العالم أكثر أمانا "وأضاف " إن الوقت قد حان للإنتقال من التعاون الجيوسياسى إلى التعاون الإقتصادى وقال نحن مستعدون لذلك وشركاؤنا الأمريكيون مستعدون للشىء ذاته " . وقال أوباما "لقد نجحنا فى إعادة تشكيل علاقاتنا بما يفيد الأمن الإقليمى والعالمى ". وسبق أن أعلن أوباما يوم 5//4/2009 فى ساحة هارادشان فى براغ أنه يتصور عالما خاليا من الأسلحة النووية وأنه سيجعل ملف خفض الأسلحة النووية جزءا مميزا فى أجندته السياسية .
فإذا كان الأمر كذلك فهل هذه الجهود كافية لطمأنة دول العالم وعدم تعرضها لهجوم نووى ؟ وما هو رأى الخبراء فى القدرة التدميرية ل 1550 رأس نووية وماذا عن ترسانات الأسلحة الكيميائية والبيولوجية لدى الطرفين أليس هذا التوقيع هو محاولة لذر الرماد فى العيون ليس أكثر . وأثناء كتابة هذه السطور تعلن واشنطن الكشف عن شبكة تجسس لصالح روسيا ورغم ذلك حرصت واشنطن على تهدئة الأجواء والتأكيد بأن القضية لن تعكر صفو العلاقات بين البلدين ألا يثير ذلك شكوكا حول هذا الحلف ( أوباما- مدفيديف ) وأن هناك خطة جديدة لتقسيم العالم بين الصديقين اللدودين والعدوين الحميمين ؟
محمد عبدالغنى محاسب وضابط سابق
سجلتُ خواطرى هذه يوم الأربعاء 30 يونيو 2010 بعد لقاء أوباما –ميدفيدف فى مطعم "رايزهيل بيرجرز" على أنغام الموسيقى وشطائر الهامبرجر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق