بقلم الاستاذ / محمد عبد الغني
(الحلقة الثانية) شعب إسرائيل عندما حكم المجر
بقلم:- محمد عبدالغنى محاسب وضابط سابق
وفى عام 1917 قامت الثورة الروسية الشيوعية وبدت فى نظر اليهود أنها فجر الليلة العظيمة أمام مُخيلات اليهود ، ولما كانوا على إتصال بإخوانهم فى روسيا عن طريق نهر اليهودية الجارف فإنهم كانوا يعلمون تماماً أن تلك الثورة لم تكن إلا بداية وأن الحركة العمالية لن تتوقف عند هذا الحد …..
نعود قليلا إلى الوراء وقبل الحرب العالمية الأولى إلى مجلس التاج الذى عقد فى 7 يوليو 1914 برياسة الكونت برختولد وزير الخارجية ووزير البلاط الإمبراطورى حيث وقف برختولد يحبذ تسوية الحساب مع الصرب عسكريا وعارضه الكونت تيزا رئيس الوزراء لأن أى تدخل مسلح قد يضع المجر فى مركز سيىء أمام أوربا ويجلب عليها عداوة البلقان بأسره وكان من رأيه إرسال مذكرة للصرب بمطالب واضحة وقاسية ولكن ليس إلى الحد الذى يؤدى إلى تعذر قبولها . فإذا رضخت الصرب يكون مجلس وزراء فيينا قد أحرز إنتصارا دبلوماسيا يرفع من مكانته بين جميع دول البلقان وإذا لم ترضخ يسلم تيزا حينئذ بشن الحرب وطالت المناقشات وإنتهت بأن الجميع فيما عدا الكونت تيزا يرون إرسال مذكرة بمطالب من المنتظر رفضها من جانب الصرب لفتح الطريق إلى حل حاسم بالوسائل العسكرية ، وأجمع إمبراطورألمانيا وإمبراطور النمسا والمجر على الحرب فما كان بوسع الكونت تيزا أن يفعل فى مواجهة هذا التحالف ؟ لهذا رضخ تيزا فى المجلس الذى عقد فى 19 يوليو1914 لقرار الحرب وراح أصدقاؤه وأنصاره السياسيين يمجدونه على أنه مدبرها وهو لم يشأ أن يكذِبهم لكى لا يبث الإضطراب فى الرأى العام فإتسعت شهرته وبذل تيزا من النشاط ما دعم الفكرة السائدة بأنه المسؤول الأول عن تلك الحرب . ومنذ الأشهر الأولى للحرب أحدق الخطر بالمجر وحاولت جحافل الروس إقتحام الكرابات وظهر غضب الله وإنتشر التيفوس الذى راح يحصد الرجال حصدا ، ثم جاءت وفاة الملك فرانسوا جوزيف فأطاحت بالكونت تيزا فى شراسة مع الذين أقصاهم الإمبراطور الجديد "شارل" وعندما إخترق المارشال "فرانشيه دسبريه" الجبهة البلغارية وإنسحب الألمان فى فرنسا والنمساويين فى بتافيا ضاعت المجر وبقدر ما كانت الكارثة تتضح بقدر ما كان ينمو شعور الحقد ضد تيزا …. لقد تراكم على رأسه كل الغضب والحقد الذى يمكن لحرب خاسرة أن تثيره . راحوا يطالبونه اليوم بالحساب عن الهزيمة ولم يشأ أن يدافع عن نفسه ويثبت أن تجنب الحرب فى يوليو1914 لم يكن بيده . ونصحه أصدقاءه وأنصاره السياسيين فى ذاك الوقت بمغادرة العاصمة والإلتجاء إلى أراضيه ومزارعه ولكنه رفض فى عناد وإباء أن يهرب من الميدان وقال لهم : لم أختبىء يوما وأنه سيموت كما عاش . وفى الإجتماع الأخير للبرلمان الذى عقد فى 17 أكتوبر 1918 حاول أن يشحذ الهمم ولكن لم يعد أحد يستمع إليه خصوصا وأن الجنود المندحرون كانوا ينهالون على بودابست وتفيض نفوسهم بالغضب الذى تجمع طيلة السنوات الأربع التى إنتهت بالهزيمة وساد شعور عام بقرب إندلاع الثورة التى كان يحاول "ميشيل كارولى " رئيس المجلس الوطنى إثارتها . وإليكم نبذة عن ميشيل كارولى هذا وعن دوره فى إستيلاء اليهود على عرش المجر :- هو نبيل طموح من أقدم طبقة نبلاء المجر وورث وهو فى سن العشرين ثروة طائلة وكان غريب الأطوار ويرجع ذلك إلى عاهة جسمانية فيه ، فقد ولد بعيب فى فمه وكان حتى سن الثامنة يجد صعوبة فى إخراج صوته فوضعوا له سقف حلق صناعى ولكن حديثه ظل لغطا غير مفهوم يتخذ رنة كعواء كلب إذا ما رفع صوته . وقد تألم منذ حداثته من هذا العجز مما حدا به أن يقول يوما " كانت رغبتى الحادة منذ طفولتى أن أقوم بثورة " وقال يوما للكونتيسة تليكى " إن ما يجعل للحياة ثمنا فى نظرى هو رغبتى فى أن أجد كل يوم موقفا جديدا غير منتظر …" هذه هى حالته النفسية وهذا هو شعوره المريض الذى يكره العالم ولا يضمر إلا الحقد والإشمئزاز لكل ما هو طبيعى وسليم البنيان . وكان فى حداثته يحاول إخفاء عاهته بمزاولة الألعاب الرياضية العنيفة لكى يكسب شهرة القوة الإستثنائية . وقد قال عنه أحد رفاق حداثته وهو الكونت تليكى " إن ما يميز ميشيل هو إفراطه فى كل شىء وإخفاقه السخيف فى كل ما كان يقوم به ولا يهتم إلا بملذاته . كانت السياسة فى نظره أول رياضة يجب أن يزاولها ذلك أن شئون البلاد كانت دائما فى يد الأرستوقراطية الرفيعة وكان "الكازينو الوطنى "- وهو نادى النبلاء – يمثل القوة الأرستوقراطية المجرية وفيه صُنعت سياسة المجر منذ قرون . وفى هذا النادى كان يتقابل النبلاء وتتحد أفكارهم وجلهم كان يفخر بأن أباه أوجده حارب النمسا عام 1848فى حرب الإستقلال . وكان كارولى بطبيعة الحال عضوا فى النادى الوطنى وإنضم إلى برنامج حزب 1848 وكان هذا الحزب يريد فسخ التحالف الثلاثى (بين النمسا وألمانيا والمجر) لدرء الخطر الروسى ويرفض الدخول فى الحرب العالمية الأولى التى كان من شأنها مهما كانت نتائجها أن تلحق الضرر بالمجر . وفى ربيع 1914 مات رئيس حزب 1848 القديم " فرانسوا كوسيت " وإنتهز كارولى الفرصة لتزعم الحزب ، وفى الحال وضع برنامجا لقلب نظام الأحلاف وفصل المجر عن ألمانيا وسافر مع بعض أصدقائه إلى أمريكا لكسب تأييد المجريين الاجئين إلى الولايات المتحدة . هذه نبذة مختصرة عن ميشيل كارولى ، وكانت الكونتيسة كارولى كزوجها طموحة متهوسة بالأفكار الحديثة وتحيط نفسها بحاشية من اليهوديات المتهوسات . وفى بودابست كان اليهود الماسونيين الإشتراكيين يتعاونون فى إصدار مجلتين إحداهما إجتماعية وتدعى " القرن العشرين " والثانية أدبية وتدعى " الغرب " وكان يمول هذه المجلة الأخيرة شاب يهودى من أسرة ثرية يدعى "لويس هاتفانى"وقد عمد هو وأصدقائه اليهود إلى بث الأفكار الحديثة التى تقطع كل علاقة بالتقاليد والأخلاق وكانوا جميعا يعكسون الروح اليهودية وثورتها الغريزية على طرق التفكير والشعور التى توارثوها عن أجدادهم منذ ألفى عام ، وإنضم إليهم رجال البورصة ورجال الأعمال فجعلوا من بودابست مستودعا واسعا للمصالح والأفكار اليهودية . وفى هذا الوسط إندلعت الثورة التى أعدها كارولى فى بودابست ، كان هذا النبيل كارولى متهوسا ومعجبا بهؤلاء اليهود ولاسيما أنه يمتاز بجهل مُطْبق كما كان معجبا بما كانوا يتحلون به من جرأة فكرية تتفق مع مزاجه المتطرف وكان المثقفون اليهود من جهتهم يظهرون إعجابهم بهذا النبيل الثرى الذى يعاملهم على قدم المساواة فكان إطراؤهم له يدعم شعوره الجارف بعبقريته السياسية وكانوا يبتزون منه المال …. وعندما إنهارت الجبهة النمساوية المجرية وقف كارولى فى البرلمان يعلن أن سلام البلاد يتطلب ترك ألمانيا إلى مصيرها وضرورة وضع السلاح ….إلخ ولاقت كلماته صدى خارج البرلمان وظهر بمظهر النبى الذى جاء ليجنب البلاد المصائب التى تنهال عليها وتضاعفت شهرته بقدر ما كان الحقد ينمو حول الكونت تيزا وفى فندق استوريا ألف كارولى وأصدقاؤه المجلس الوطنى وكان أول عمل لهذا المجلس هو إصداره منشور يطالب بعودة الجيش فى الحال والتوقيع على الهدنة وبحرية الجنسيات داخل الدولة وبالمحافظة للبلاد على حدودها القديمة. ورجا ميشيل كارولى من الحكومات الأجنبية الإتصال به وليس بالحكومة المهزومة …وبينما كان كارولى ينتظر إسناد الوزارة إليه كلف الملك شارل الكونت حاذق بتشكيلها. وقد حاول حاذق بث الفرقة فى صفوف المجلس الوطنى بالتفاوض مع أحزابه المختلفة ولكن باءت جهوده بالفشل حيث كانت بودابست والبلاد بأسرها تنضم للمجلس الوطنى وفى الساعة العاشرة من مساء 29أكتوبر1917 تجمع عدة آلاف من الرجال بتحريض من اليهود - حيث ألقوا بثقلهم خلف كارولى - للتظاهر أمام قصر الأرشيدوق جوزيف وفى اليوم التالى بدأت تظهر على الجدران إعلانات ضخمة يمثل بعضها عاملاً أحمر اللون ضخم البنية يمسك بيده فوق التاج الملكى مطرقة بشعة ويمثل البعض الأخر جندياً يخنق بيده نسر هابسبورج …..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق